هيئة حقوق مدنية تدافع عن المظلومين وسجناء الرأي وتوفر معلومات موثقة عن حقوق الإنسان في موريتانيا
 

English عربي Francais
الصفحة الرئيسية تعريف بالمرصد بيانات المرصد انتسب للمرصد اتّصل بالمرصد


  بيان - المرصد

عن سجن "أبو غريب" الموريتاني ً علم المرصد الموريتاني لحقوق الإنسان من مصادر قضائية عليمة أن بعض المعتقلين العسكريين والمدنيين في سجن "واد الناقة"ً (التفصيل)

  بيان - لمنظمة العفو

مخاطر التعذيب والحبس الانفرادي ضد المعتقلينً تحت عنوان: "مخاوف من التعذيب وسوء المعاملة" أصدرت منظمة العفو الدولية يوم 02/06/2003 بيانا - يؤكد ماورد في بيانها السابق - عن الاعتقالات التعسفية في موريتانيا ً (التفصيل)

  تقرير -اللجنة العربية

الاعتقال التعسفي وملاحقة المعارضين في موريتانيا تقرير صادر عن اللجنة العربية لحقوق الإنسان يناير(كانون الثاني)2005 ً (التفصيل)

  رسالة-معتقلي واد الناقة

حول التعذيب والمشرفين عليه تلقى المرصد الموريتاني لحقوق الإنسان رسالة من المعتقلين في معتقل "واد الناقة" تحدثوا فيها عن التعذيب الوحشي الذي يتعرضون له. ً (التفصيل)


هيئة حقوق مدنية تدافع عن المظلومين وسجناء الرأي وتوفر معلومات موثقة عن حقوق الإنسان في موريتانيا"*** هيئة حقوق مدنية تدافع عن المظلومين وسجناء الرأي وتوفر معلومات موثقة عن حقوق الإنسان في موريتانيا *** هيئة حقوق مدنية تدافع عن المظلومين وسجناء الرأي وتوفر معلومات موثقة عن حقوق الإنسان في موريتانيا


حتى لا ننسى أن حقوق الإنسان ليست فقط الحقوق السياسية  
حق الصحة بين النظرية والواقع المرير

محاضرة الدكتور المرزوقي في الدورة التدريبية لكوادر حقوق الإنسان التي نظمتها اللجنة العربية والمرصد الموريتاني لحقوق الإنسان في مدينة نواقشط من 16 الى 19 فبراير 2008

فخذوا لأنفسكم بالحزم والحياطة ولمرضاكم بالرفق والتثبّت واستعملوا الطريق الأفضل المؤدّي إلى السلامة والعاقبة المحمودة ونزّهوا عمّا تخافون أن يدخل عليكم الشبهة في دينكم ودنياكم فهو أبقى لجاهكم وأرفع في الدنيا والآخرة . الزهراوي

تنص المادة الخامسة والعشرون من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان أنه : ’’ لكل شخص الحق في مستوى من المعيشة كاف للمحافظة على لصحة والرفاهية له ولأسرته ، ويتضمن ذلك التغذية والملبس والمسكن والعناية الطبية وكذلك الخدمات الاجتماعية اللازمة ، وله الحق في تأمين معيشته في حالات البطالة والمرض والعجز والترمل والشيخوخة وغير ذلك من فقدان وسائل العيش نتيجة ظروف خارجة عن إرادته . وللأمومة والطفولة الحق في المساعدة والرعاية ، ولجميع الأطفال حق التمتع بنفس الحماية الاجتماعية سواء أكانت ولادتهم في إطار الزواج أو خارجه.’’
ها قد حدّد المشرّع العالمي لنا الحالة المثالية التي يجب حسب تعبيره في الديباجة اعتبارها ’’ المستوى المشترك الذي ينبغي أن تستهدفه كافة الشعوب والأمم ’’ . هذه الحالة المثالية هي تمتّع كل شخص بالحقوق الواردة في الإعلان ومنها حقّ الصحّة .

لكن ما هي الحالة الحقيقية في انتظار تحقق المشروع الجبّار ؟ هنا تحضرنا الحقيقة وهي أن حديثنا عن حقوق الإنسان مرتبط غالبا بغيابها ، أننا لا نكثر من الحديث عنها إلا بقدر ما تقلّ ممارستها و يكثر انتهاكها....أن الحق لا يتشكّل كموضوع للبحث ومعركة للنضال إلاّ لأنه ثمة عراقيل تمنع التمتع به . ونحن في آخر المطاف لم نخلق مفهوم حقوق الإنسان إلا من النقيض الذي هو الحالة الغالبة والفاعلة حتى وإن رفضنا له صفة الطبيعية .

معنى هذا أن على القراءة الجادّة لحق الصحة أن تنطلق من واقع انتهاكه ، لكن ليس من حقنا الاستسلام للتشاؤم لأن الكأس في الواقع نصف فارغة ونصف ملآنة . فبجانب الانتهاك للحق هناك داخل المجتمع ككلّ بالضرورة مساحة تضيق وتتسع من التمتع به . هكذا ترى النضال من أجل حقوق الإنسان ينطلق من الغياب المكثف والحضور المحتشم لتوسيع رقعة الحضور وتقليص رقعة الغياب .

ثمة فكرة هامة أود لفت انتباه القارئ لها منذ البداية وهي أن حق الصحة ليس جزيرة معزولة في نصّ الإعلان . هو جزء من الحقوق الاقتصادية والاجتماعية ( العمل ، التغذية ، التعليم ، الراحة ) . هذه الحقوق بدورها وثيقة الارتباط بالحقوق السياسية ( حرية الرأي والمشاركة والتنظم ) المنخرطة في منظومة الحقوق الفردية ( الحياة ، الكرامة ، الحرية ، الحرمة الجسدية ، الحياة الشخصية ، العدالة ). معنى هذا أن أي مسّ لأي حق من هذه المنظومة المتكاملة سيؤثّر بصفة ما على بقية الحقوق . وفي الاتجاه المعاكس فإن أيّ تحسّن في الحقوق يؤثر إيجابا على حقّ الصحّة . لننطلق من هذه الملاحظة ’’المتشائلة ’’ لاستعراض الإشكاليات الكبرى التي تشهد انتهاك حق الصحّة) ويمكن تصنيفها في ثلاثة ميادين .

أ- الحق في حرمة الروح والجسد ما أغرب أن يكون الأطباء مصدر انتهاك حقّ الصحّة والحال أن الصورة المثالية والساذجة تجعلهم أشدّ المدافعين عنه . وحتى لا نتجنّى يجب التذكير أن الأطباء هم فعلا على الخطّ الأوّل في تمكين الناس من حق الصحة لكن هناك ظروف وحالات( و أطبّاءشواذّ ) تحيل النعمة نقمة.

1 ـ التجارب الطبيـة على الإنسان : لا شكّ أن موضوع التجريب الطبّي على الإنسان قديم قدر الطبّ نفسه ، فهذا الأخير لا يتقدّم إلاّ بالخطأ وتصحيحه أي بشكل أو آخر من التجريب . لكن بإسم المصلحة العليا لإنسانية مجردّة ، وبإسم تطورّ العلم ، وقع بعض الأطباء في أخطاء جسيمة تمثّلت في اعتبار المريض أو السجين ، أو الفقير المحتاج أداة تستعمل لأغراض علميّة بحتة لا علاقة لها بالمهمّة الوحيدة للطبّ وهي تحديدا حفظ الصحّة وردّها. إنّ تاريخ الطبّ القديم والمعاصر حافل بكثير من التجارب الذي استعمل فيها الإنسان كفأر مخبر بدون استشارته ، وقد شهدت الحرب العالمية الثانية انفجارا في هذه التجارب التي استعملت المساجين ، وأصبحنا نتوفّر على عديد المعطيات حولها . وقد قام الأطباء ومنهم أساتذة في كليات الطب على سبيل المثال بتجارب منها دراسة نقص الأوكسجين ، العطش ، البقاء الطويل في الماء البارد .. مما أدّى إلى موت مئات المساجين . منها أيضا أحسن وأرخص وسيلة للتعقيم . هكذا جرّب Shuman و Clauberg على مئات النساء جملة من التقنيات الكيماوية والكهربائية لتدمير المبيضين . كما وقع وقع حقن مئات المساجين بجراثيم عديدة لدراسة هذا المرض أو ذاك ثمّ وتجريب أدوية وعقاقير مجهولة المفعول . وفي نفس السياق استعمل الكثير من المساجين السياسيين واليهود والغجر لتجريب عدّة مصلاّت منها مصلّ ضدّ البرداء أودى بحياة المئات . وقد اتّضح إبّان محاكمة الأطباء المسئولين عن هذه التجارب في نورمبرج سنة 1947 ، أن التجريب الطبّي على الإنسان كان منتشرا في جلّ البلدان العالم الثالث وفي أمريكا نفسها. ومن المعروف أنّه لازال معمولا به في السجون الأمريكية لدراسة الأدوية الجديدة (مقابل مبلغ زهيد للسجين ) وفي جلّ مستشفيات العالم بعلم أو بدون علم المريض .

2 ـ مشاركة الأطباء في التعذيب : اصدرت منظمة العفو الدولي سنة 1989 تقريرا عن ضلوع الأطباء التعذيب في العديد من البلدان (2) ومشاركتهم في عملية الإعدام . أخيرا وليس آخرا أظهرت قضية تشخيص المرض العقلي في الإتحاد السوفياتي سابقا عند المعارضين السياسيين ضلوع أطباء الأمراض العقلية في الجهاز القمعي .

3 ـ التقصّي الجيني تمكن التقنيات الحديثة من تقصّي العديد من الأمراض الجينية في الأشهر الأولى للحمل كالتثلث الصبغي وهو ما يسمح بإجهاض سريع . الإشكالية أن معرفتنا المتزايدة بالأمراض الوراثية وبجنس الجنين قد يحمل الطبيب على توسيع مجال الإجهاض لا لشيء إلاّ لأنّ الجنين أنثى أو مصاب بخلل بسيط .

4 ـ السرّ المهنـي : يطرح هذا الموضوع بحدّة في هذه الفترة التي تشهد انتشار مرض عوز المناعة المكتسب ، فتقصّي المرض بتحليل الدم أمر بسيط إلاّ أنّ له ترتّبات خطيرة عديدة منها كما هو الحال في بعض البلدان العربية ضرورة إبلاغ السلطة ، مما يعني العزل الصحي على الموت .

5 ـ زرع الأعضاء : لا تتعلق الإشكالية هنا بشرعية زرع الأعضاء لأنّها تدخل في عملية العلاج ولكنها تتعلّق بشروطها . ثمة من يأخذون الأعضاء من جسم الهالك بدون رخصة أهله في حالة الرفض ثمّة أيضا مثلما يحدث في البلدان الفقيرة تجارة رابحة ينتقل فيها الدم والكلى من الفقراء الأصحاء إلى المرضى الأغنياء بمعونة سماسرة مختصين وأطباء متساهلين . *

تطرح هذه المسائل على تعدّدها وتباين مستوياتها إشكالية صراع الحقوق حيث أن حقّ الإنسان في صحّة مهدّد دوما بظهور طرف ثاني يدّعي أن له حقوق أعلى من حقّ المريض في الصحّة أو في حريته أو كرامته أو حرمته الجسدية .

هذا الطرف الثالث بالغ التعقيد لأنه في الواقع من ثلاث أصناف . ثمة العلم في البداية الذي أصبح شيئا مقدّسا لا حرج في تقديم بعض القرابين إليه إذا كان ذلك شرطا لتقدّمه . لكن تحت رداء البحث عن المعرفة أو المصلحة العامّة ، تجد في الواقع المصالح المادية والمعنوية للباحثين و مطالب مجتمع ينتظر الكثير من العلم بصفة عامة والطبّ بصفة خاصّة .

ثمة المجتمع ومصالحه العليا . ومن هذا المنظور دعوة البعض للكشف الإجباري والتعرّف على المصابين بمرض عوز المناعة المكتسب حتى يتم عزلهم وحماية المجتمع من انتشار المرض المخيف. وتقدّم نفس الحجة ولو بأقل حدّة في خصوص الأمراض الجينية حيث لا مصلحة للمجتمع في ولادة أطفال معاقين أو بمرض يستوجب نفقات كبيرة. لذلك تتطلب هذه المصلحة منع مثل هذه الولادات حسب تقديرهم .

ثمة أخيرا حقوق الدولة . لقد اعتذر الأطباء الألمان الذين شاركوا في التجارب النازية أو الأطباء السوفيات الذي شاركوا في تشخيص الأمراض العقلية عند المعارضين السياسيين، بضرورة طاعة السلطة وأخذ مصلحة الدولة (أي النظام السياسي في الواقع ) بعين الاعتبار. وتستعمل هذه الحجة أيضا لتبرير المشاركة السلبية في التعذيب أو الإعدام أو في عقاب المساجين . إنّ التجاوزات العديدة التي ذهب ضحيّتها عدد هام ولو أنّه غير مقدّر من لبشر بإسم علوية مصلحة العلم والمجتمع والدولة على مصلحة الإنسان قد دفعت المهنة الطبية والمجتمع نفسه إلى مراجعة ذاتية شاملة على مستوى فكري وقيمي من جهة ومستوى قانوني تنظيمي من جهة أخرى من أهمّ معالمهما ما يلي :

إنّ النظرية القائلة بعلوية مصلحة الطرف الثالث على مصلحة المريض أو الإنسان السويّ مرفوضة جملة وتفصيلا لجملة من الأسباب .

لقد كان القول بهذه النظرية مصدرا لسلسلة من الفضاعات التي يخجل منها الطبّ والتي يتضح في آخر المطاف أنها لم تكن لا ضرورية ولا حتّى مفيدة . إن المردود السلبي لهذا الخيار أهم بكثير من إيجابياته . مثلا إذا قلنا بضرورة كشف السرّ المهني في عوز المناعة المكتسب فإن هذا سيؤدّي الأغلبية إلى تفادي التقصّي خوفا من الترتّبات وهو ما يسهّل انتشار الوباء في حين إن ثقة الإنسان بطبيبه واعتقاده الراسخ بأنّه لن يفشي سرّه هي التي ستدفع به تلقائيا إلى طلب الإختيار وتحمّل مسؤوليته .

إذا قلنا الأن بأولوية "الإنسانية " المجرّدة على الإنسان في البحث عن الأدوية أو اللّقاحات الناجحة فإنّنا ننسى أن الإنسانية متجسّدة دوما في الإنسان وأنه لا معنى للتصرّفات اللاّنسانية بإسم الإنسانية ، كما أننا ننسى أن هناك دوما من هم مستعدون للتضحية في سبيل المصلحة العامة وأن علينا في حالة التجارب الطبية الضرورية أن نتوجه لحسّ المسؤولية لا أن نمارس الغش والخديعة . إذا قلنا الآن بأولوية مصلحة النظام السياسي لتبرير المشاركة في أي انتهاك لحقوق المريض فإنّنا ننسى أن الطبّ بمتطلباته الأخلاقية قار أزلي في حين أنّ تغيّر الأنظمة هو القاعدة ، وقد يسأل الطبيب مثلما حدث ذلك مرارا في التاريخ عن مسؤولية إذا ما انهار النظام الذي خدمه .

إنّ الإجماع اليوم على التصدّي لكلّ التجاوزات والانتهاكات والحفاظ على أقصى قدر ممكن من الأخلاقية الطبية شبه تام مما أدّى إلى تزايد عدد القوانين والمؤسسات الساهرة على فرض احترام أخلاقيات المهنة وهي علاوة على الفصل الخامس والعشرين للإعلان :

إعلان مبادئ الأخلاقيـة الطبيّة (1982) : يطرح هذا الإعلان جملة من القواعد الأخلاقية التي يجب على الاطباء اتّباعها ويجعل من تحريم المشاركة في التعذيب مطلقا قيميا .

قواعـد معاملـة السجناء 1984 ـ 1977 ـ 1995 : يعطى هذا النصّ للسجناء الحق المطلق في الصحّة والعلاج دون اعتبار لأي من المعطيات الأخرى.

ـ إعلان نور مبرج (1947) . يتعرّض هذا الإعلان لقواعد التجريب في الطبّ ، ويحرّم كلّ أشكال منه لا تستجيب لهذين الشرطين: أن يتم إعلام المريض بالتجربة ، ان يعطي موافقته على أساس قصى قدر ممكن من الحريّة والإدراك.

إعلان هاواي (1983 ـ 1977) : يحرّم هذا الإعلان استخدام الطبّ العقلي للأغراض السياسية كما يحرّم فرض العلاج ، ويطالب بإعلام المرضى وعائلاتهم بكافة حقوقهم ومن جملتها كيفية التعرّض لقرار الإيداع الإجباري في المستشفيات العقلية .

إعلان طوكيو (1975) : يحرّم هذا الإعلان تحريما قطعيا على الأطباء المشاركة من قريب أو من بعيد في التعذيب ولو كان ذلك تحت التهديد .
إعلان أثيـنا (1979 ) : يخصّ هذا الإعلان حقوق المساجين الطبية وهي نفس الحقوق التي يتمتّع بها كلّ الناس.

بجانب كلّ هذه النصوص نلاحظ بروز ظاهرة جديدة تتمثل في إحداث ’’ لجان الأخلاق الطبية’’ سواء على الصعيد الوطني أو المحلي ( جامعة مستشفى ) تضم اختصاصين من ميدان الطبّ والعلوم الإنسانية والاجتماعية ويوكل إليها بمهمّة حماية حقوق المرضى الإرشاد والتوجيه بخصوص الأبحاث الضرورية .

ب- الحقّ في أسباب الصحّة في زاد المسافر تقرأ لابن الجزار الدوافع لتأليفه، " إلاّ أنّي رأيت كثيرا من الفقراء وأهل المسكنة يعجزون عن إدراك منافع ذلك الكتاب وغيره من سائر الكتب التي ألفها الحكماء في حفظ الصحة للأصحاء ورد المريض إلى الصحة لفقرهم وقلة طاقتهم الخ...".

لنلاحظ الإختلاف الهام بين هذا وتعريف ابن سينا (حفظ الصحة وبرء مرض ) فمن جهة وقع التّاكيد على أن حفظ الصحة مسألة تهم الأصحاء أي الجماعة ككل ولا تتعامل مثل ما توحي به الأرجوزة مع فرد مهدد .

إن حفظ الصحّة هو اليوم المفهوم المركزي في فلسفة المنظمة العالمية للصحة . ومن هذا المنظور فإن الإشكالية الأساسية ليست توفير المستشفيات بقدر ما هي توفير الأسباب التي تمكّن الأغلبية من الحفاظ على هذه الصحة التي عرفها المثل العربي بأنها ’’ تاج على رأس الأصحّاء لا يراه سوى المرضى’’. إن تقرير المنظمة حول الصحة في العالم لسنة 2003 يظهر الهوّة الرهيبة بين الحق في أسباب الصحة التي تحدّث عنها الفصل الخامس والعشرون وبين الواقع. ففي هذا التقرير نقرأ أنّ عشرة أسباب فقط تتسبّب في ثلث الحمل المرضي سواء تمثل في نسبة المراضة morbidité أو الوفيات mortalité . هذه الأسباب هي نقض البرويتينات والحديد واليود والزنك والفيتامين أ ونقص المياه الصالحة للشرب والتدخين والعلاقات الجنسية غير المحروسة وارتفاع الضغط وارتفاع نسبة الكوليسترول .

إن عوامل الخطورة هذه تتسبب في مجازر صامتة حيث يرتفع عدد الجوعانين إلى سبعمائة مليون نسمة . كما يعاني مائة وسبعين مليون طفل من نقص الوزن ويتسبب نقص الدم في موت ثلاثة ملايين شخص . إن أغلب العوامل ناتجة عن الفقر المدقع حيث يعيش نصف البشرية على دولارين للشخص في اليوم الواحد وثلث البشرية على دولار يتيم . كما إن هذا الفقر يتوسّع باطّراد نظرا للسياسات المتبعة حاليا في ظل العولمة المتوحشة وتفاقم الهوة بين من يملكون ولا يملكون. وفي ظل هذا الوضع القاتم نفاجأ بأن العالم وخاصة الثالث منه يواجه آفة نقص المناعة المكتسب وهو خلافا لما يشاع مرض جدّ مرتبط بانتشار الفقر. فثمة اليوم شبه جائحة من هذا المرض ليس فقط في إفريقيا جنوب الصحراء ولكن أيضا في الهند والصين وروسيا . لقد أظهرت الدراسات الوبائية ان انتشار المرض مرتبط بانتشار الدعارة وهذه تتبع طرق انتشار التشرّد الاقتصادي والبحث عن العمل ومخيمات اللاجئين . تظهر الدراسات ايضا ارتباط المرض بانخفاض المستوى المعيشي والتعليمي مما يجعل العلاج الفردي رغم ضرورته مجرّد محاولة إطفاء الحريق بملاعق القهوة. فعلى الصعيد العالمي والاجتماعي لا نستطيع ربط انتشار نقص المناعة المكتسب إلا بتدهور الوضع الاقتصادي والاجتماعي علما وأن المرض بدوره أداة لتعميق الأزمة. نعود هنا للفكرة التي أشرنا إليها في البداية ألا وهي أن الحق في الصحة لا يؤخذ معزولا عن بقية الحقوق ، فتمتّع البشر أينما وجدوا بحقوقهم الاقتصادية والاجتماعية والسياسية هو السبيل لتمتعهم بحق الصحّة وما عدا ذلك علاج عرضي لمرض مستفحل نقبل بانتشاره لعجزنا عن التفاعل معه على مستوى الجذور العميقة. إن هذا ما يجعلني أدافع داخل الوسط الطبي على أن الأغلبية الساحقة للأمراض التي تعاني منها البشرية هي انتهاكات حقوق الإنسان مثل التعذيب والمحاكمات الجائرة . فمرض الملايين الناجم عن سوء التغذية أو التسمّم بالتدخين والكحول ، لأن وراءها شركات عملاقة تحثّ على التدخين ، ليس قضية قضاء وقدر وإنما نتيجة وضع اقتصادي واجتماعي محلي وعالمي يقصر الصحة مثل الحرية والحرمة الجسدية على أقلية ويحرم منها الأغلبية .

ج‌- حق العلاج
يوجد اليوم في جنوب الصحراء 28 مليون مصاب بمرض نقص المناعة المكتسب . لا يتحصّل على العلاج سوى واحد في المائة . أما البقية فيتركون لموت محتوم رغم وجود أدوية تقلّل من خطورة افصابة وتطيل العمر نسبيا. هذه الأدوية مملوكة البراءة من قبل الشركات الصيدلية الكبرى وخصوصا الأمريكية وترفض التخفيض في ثمنها بحجّة تكاليف البحث العلمي .
وقد هدّدت هذه الشركات في نهاية التسعينات بمتابعة حكومة جنوب إفريقيا قضائيا لأنها أرادت صنع أدوية مماثلة منقولة medicament générique . هذه الأدوية التي يمكن إنتاجها محليا تتكلّف لعلاج الشخص الواحد بتسعين دولار سنويا بينما تصل التكلفة في أمريكا على عشرة آلاف دولار . يعطي الفرق بين الرقمين حجم الأرباح الهائلة التي تحققها الشركات الصيدلية العالمية بالاحتفاظ ببراءة هذه الأدوية.

وثمة ميدان آخر تتضح فيه أهمية الصراع بين الحقّين هو مرض الملاريا . إنه مرض يقتل ثلاثة ملايين شخص في العالم خاصة من أطفال العالم الثالث. لكن هذا المرض على خطورته وانتشاره لم يحظى بما يستحق من البحث العلمي لأن الشركات الصيدلية الكبرى التي تمتع بإمكانيات القيام بمثل هذه الأبحاث غير معنية بدواء لا يستهلك إلا فقراء العالم الثالث الذين لا يتوفرون على أي مقدرة شرائية . لذلك تفضّل هذه الشركات تركيز البحث على أمراض العالم الغني وعلى مشاكل الكماليات فيه مثل محاربة الصلع .

ثمة إذن تناقض جذري بين حق الصحة و’’حق’’ الربح كما تفهمه الشركات الصيدلية الكبرى . لقد أثارت عملية تسليع الصحّة التي تحرم حتى الفقراء في أمريكا من الدواء لغلائه الفاحش ، سخط المنظمة العالمية للصحة . فقد شجيت في بيان ماي 2001 حرمان الفقراء من الدواء لأسباب تجارية بحت. أما لجنة الأمم المتحدة للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية في بيان نوفمبر 2001 فقد ركّزت على حق الدول في استعمال الأدوية الضرورية لصحّة مواطنيها بغضّ النظر عن قضية الملكية الفكرية . كذلك أصدرت لجنة حقوق الإنسان في أفريل 2001 بيانا تقول فيه : ’’ إن الحصول على الأدوية المضادة لنقص المناعة المكتسب جزء هامّ من حق كل شخص في تحقيق أعلى قدر ممكن من الصحة الجسدية والنفسية ’’ . لكن أهمّ موقف هو الذي اتخذته اللجنة الأممية لحماية الملكية الفكرية في بيان سبتمبر 2002 حيث تقول : ’’ إن نظام الملكية الفكرية عامل معيق للتمتع بحق الصحة ولا يلعب دورا هامّا في تنشيط البحث العلمي’’. بهذا الموقف تكون اللجنة قد فضلت حق الصحة على حق الملكية أو بالأحرى على حق الربح المفرط ولو على حساب صحّة الملايين .

* وفي الختام يتضح لنا أن حق الصحة ليس حقا في المطلق إنه حق يواجه ’’ حقوقا ’’ أخرى منها ’’حقّ ’’الأطباء النازيين في تشريح المرضى وهم أحياء و’’ حق’’ الطبقات الغنية في الاستيلاء على جلّ الثروات التي بدونها لا تتوفّر شروط الصحة للأغلبية ، و’’حق’’ الشركات الصيدلية في بيع الأدوية بأغلى ثمن ممكن . ومن البديهي أنّ كل هذه ’’ الحقوق’’ تستمدّ وجودها من شكل أو آخر من القوّة بل قل من العنف . لا غرابة أن يكون حق الصحة مثل بقية حقوق الإنسان غير قابل للتحقيق طالما لا توجد وراءه قوّة قادرة على فرضه . هذه القوّة ليست العنف وإنما الشرعية والأخلاق وأيضا السياسة الاجتماعية العادلة وفي آخر مرحلة الجزاء إن تطلّب الأمر.

يتضح أن التمتع بحق الصحة يمرّ عبر جهد جماعي ونضال لا يفتر ضدّ مقاومة قد تأتي من حدود الاقتصاد وطبيعة المجتمع لكنها تأتي أساسا من طبيعتنا الازدواجية التي تجعل التجنّد لحق إنسان (خاصة إذا كان الشخص نفسه) أسهل من التجنّد لحقوق الإنسان .


ولمزيد من المعلومات تكرموا بالاتصال على:
observatoire@almarsad.org
www.almarsad.org
Tel: 0033627247683
Tel: 02226996000 - 002226313883
Fax : 0049-40-23934767
المرصد الموريتاني لحقوق الإنسان هيئة حقوقية غير حزبية، تسعى إلى تحسين وضع حقوق الإنسان والحريات المدنية في موريتانيا، أسسها عام 2003 عدد من المثقفين الموريتانيين المقيمين في أوربا وآمريكا الشمالية، وهي مسجلة قانونيا في فرنسا


  قضايا محلية

   سجناء الضمير
   قضية العبودية
   المسألة العرقية
   اعرف حقوقك
   عرف بمظلمتك
   مسائل قضائية

  موضوعات عالمية

   مواثيق وإتفاقيات
   إصدارات
   منظمات
   حملات
   بحوث ودراسات

  الأخبار

   لقاءات وحوارات
   مقابلات
   مقالات
   بيانات

 رابطة تعليم حقوق الإنسان

منظمة هيومان رايتس ووتش

الخط الامامي ، المؤسسة العالمية للدفاع عن مدافعي حقوق الانسان

الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان
جميع الحقوق محفوظة للمرصد الموريتاني لحقوق الإنسان © 2005 -2006